ابو القاسم عبد الكريم القشيري
542
الرسالة القشيرية
الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ عقده « 1 » مع اللّه ، ونقض عهده فيما بينه وبين اللّه تعالى . ثم يجب على المريد أن يتأدب بشيخ ؛ فإن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبدا . هذا أبو يزيد يقول : من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان . وسمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : الشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غارس فإنها تورق ، ولكن لا تثمر ؛ كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نفسا نفسا « 2 » فهو عابد هواه ، لا يجد نفاذا . ثم إذا أراد السلوك فبعد هذه الجملة يجب أن يثوب إلى اللّه سبحانه من كل زلة ؛ فيدع جميع الزلات : سرها وجهرها ، صغيرها وكبيرها ، ويجتهد في إرضاء الخصوم أولا ، ومن لم يرض خصومه لا يفتح له من هذه الطريقة بشئ . وعلى هذا النحو جروا ، ثم بعد هذا يعمل في حذف العلائق والشواغل ؛ فإن بناء هذا الطريق على فراغ القلب . وكان الشبلي يقول للحصرى في ابتداء أمره : إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية التي تأتيني فيها غير اللّه تعالى فحرام عليك أن تحضرني . وإذا أراد الخروج عن العلائق فأولها : الخروج عن المال ؛ فإن ذلك الذي يميل به عن الحق ، ولم يوجد مريد دخل في هذا الأمر « 3 » ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عن قريب إلى ما منه خرج ، فإذا خرج عن المال ، فالواجب عليه الخروج عن الجاه ، فان ملاحظة حب الجاه مقطعة عظيمة . وما لم يستو عند المريد قبول الخلق وردهم لا يجئ منه شئ ، بل أضر الأشياء له ملاحظة الناس إياه بعين الإثبات والتبرك به لإفلاس الناس عن هذا الحديث « 4 » ، وهو بعد لم يصحح الإرادة ، فكيف يصح أن يتبرك ؟ . فخروجهم من الجاه واجب عليهم ؛ لأن ذلك سم قاتل لهم ، فإذا خرج عن ماله وجاهه وجب أن يصحح عقده « 5 » بينه وبين اللّه تعالى ، وأن لا يخالف شيخه
--> ( 1 ) أي عزمه وتصميمه . ( 2 ) أي درجة درجة ومقاما مقاما . ( 3 ) أي في التصوف . ( 4 ) أي عن الملاحظة والتبرك . ( 5 ) أي عهده .